الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

الأردوغانية.. التدمير الهادئ لمنجزات الهوية الأتاتوركية


بقلم الكاتب المغربي: مولاي علي




من استراتيجية أردوغان وحزبه في التصالح مع الهوية الإسلامية  تجنب رفع عنوان الهوية في بداية حكمه لتركيا، لأن القوى المتعاطفة معها ضعيفة أو شبه منعدمة، فكل العناوين الخلافية والتي ليس عليها الاجماع والتي يسهل استغلالها في إضعاف الحزب والحكومة ترك أردوغان وحزبه رفعها، وعملوا على العناوين والمشاريع المتفق عليها بين غالبية الشعب التركي، بداية من تنشيط الاقتصاد وحل مشاكله وتقوية الجبهة الداخلية، ومحاربة المنظمات الإرهابية وجذورها الداخلية والخارجية، والسعي لتخلص من الوصاية الغربية، والرقي بالتعليم والصحة،وبناء بنية تحيتة واسعة ومتنوعة، وتحقيق استقرار سياسي واجتماعي لم تعرفه تركيا منذ إعدام عدنان مندريس بدايات الستينيات من القرن الماضي.
ولم يرفع أردوغان عنوان الهوية والدين والحضارة وإرث الاجداد وتاريخهم، إلا بعد تحقيق وعوده الانتخابية التي وعدها بها الشعب التركي منذ أول انتخابات برلمانية عام2002.
 وبعد انتخابات تشرين الثاني 2015 بدأت تكتيك أدوغان يتغير وجرأة قادة حزب العدالة والتنمية تزداد في رفع شعار الهوية الإسلامية في كل مناسبة عامة أو تجمع جماهيري، ثم تضاعفت هذه الجرأة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15تموز2016، فغالب خطابات أردوغان بعدها كانت تتضمن إشارات قوية وعبارات واضحة إلى تمسك تركيا الجديدة بهويتها الإسلامية وحضارتها وثقافتها العثمانية.
كما كانت الزيارات التاريخية التي قام أردوغان صبيحة الانتصار في الاستفتاء على التحول للنظام الرئاسي 16نسيان2017 لقبور الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري وفاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح والسلطان ياوز سليم الأول  وشهيد الاذان عدنان مندريس، والاب الروحي للحركةالإسلامية التركية نجم الدين أربكان، والرئيس السابق تورجوت أوزال، واستثناء ضريح مصطفى كمال أتاتورك ، إشارة قوية إلى تمسك القادة الأتراك زعماء العهد الجديد برموزهم الإسلامية، والاعتزاز بانجازاتهم وتاريخهم المجيد.
وهذا مافهمه الكماليون بتركيا وعلمانيو العالم والإعلام الغربي والمحللون السياسيون وأصحاب مراكز البحث والخبرة من تلك الزيارات التاريخية، حيث اعتبروها مؤشرا قويا على عودة تركيا لجذورها الإسلامية والعثمانية، وانتهاء حقبة أتاتورك تماما.
ثم جاءت مرحلة التصريحات المباشرة والواضحة من أردوغان وباقي قادة العدالة والتنمية حول موضوع الهوية بعد الأزمة مع الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا وهولندا، وانتقاد الرئيس التركي للاتحاد ودوله في موضوع محاربة الإسلام وسعيهم لنشر الإسلاموفوبيا بطرق مختلفة، ووقوفهم مع قوى الإرهاب بتركيا وباقي دول العالم الإسلامي، خلافا لما تروجه دول الاتحاد عبر إعلامها وسياستها الخارجية.
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 26 مارس/آذار 2017، إنَّ "اجتماع قادة دول الاتحاد الأوروبي في الفاتيكان بمناسبة الذكرى السنوية الستين لتأسيس الاتحاد أظهر تحالفهم الصليبي..لماذا اجتمعتم في الفاتيكان؟! ومنذ متى كان البابا عضواً في الاتحاد الأوروبي؟!...الاتحاد الأوروبي يرفض عضوية تركيا لكونها دولة مسلمة، عليهم ألّا ينسوا أنّ من يدخل الجحر مع الأفعى لن يسلم من لدغها، فالأسلحة التي يعطونها للإرهابيين سيأتي يوم وتُشهر في وجههم..إنَّ غضب الأوروبيين ليس لأننا انحرفنا عن الطريق الصحيح، وإنما لأننا لم نعد نأتمر بأمرهم ولم نعد ننصاع لمطالبهم".وكالة الأناضول
ومنها قال الرئيس التركي في إحدى خطبه: "سنعيد فتح مدارس الأئمة والخطباء التي أغلقوها، حتى يعود الناس ليتعلموا القرآن والسيرة النبوية..لقد تمت محاربة قيم هذا الشعب ومقدساته في الأربعينات من القرن الماضى، حيث أغلقت أبواب المساجد وحولت إلى متاحف وحظائر للحيوانات، ومنع تعليم القرآن من قبل حزب الشعب الجمهوري الحالي، وقسموا المواطنين إلى قسمين، مقبولين ومرفوضين". وكالة الأناضول
وقال أيضا: " أثق في الجيل الجديد في تركيا، سيتيعلم تاريخه وثقافته وحضارته، وهو قادر على تنشئة نفسه جيدًا بجميع المجالات، على خلاف ما تدعيه بعض الأطراف".
هذه التصريحات التي تدعم التصالح مع الهوية الإسلامية والافتحار بالانتماء إليها، كانت معها قرارات قوية تخدم تصالح الأتراك مع هويتهم الإسلامية منها:
-  تفعيل دور المساجد عبر أنشطة الدينية والثقافية منتنوعة تغطي أيام السنة.
- الزيادة من مساحة المواد الدينية بالمدارس التركية والاقصاء التدريجي لكل ما يخاف الهوية الإسلامية وحضارتها ثقافة وتاريخا وفكرا.
- إقامة مصليات لتلاميذ والطلاب داخل الجامعات والمدراس بمختلف مسالكها.
- إضافة مواد الإسلامية ( القران الكريم والسيرة النبوية الشريفة) ضمن المناهج والدروس المقررة كدروس اختيارية في السلك التعليمي المتوسط، وحدف نظرية التطور لداروين من منهاج علم الإحياء، وتقليص دارسة سيرة مؤسس الجمهورية التركية "مصطفى أتاتورك"، ونزع ملامح القدسية عن شخصيته ووضعها في إطار الشخيصيات الوطنية العادية.
- التخلص من المواضيع التي تمجد الغرب وتتحدث عن التاريخ من وجهة نظر أوروبية، والعناية بإسهامات العلماء المسلمين والأتراك في جميع ميادين الحضارة، وترسيخ قيم المواطنة والوطنية.
- العناية الكبيرة بمدارس الأئمة والخطباء والمرشدين، وتشجيع الطلاب على الإقبال عليها وعلى التعلم فيها.
- رفع الحظر على الحجاب وظهوره بالبرلمان والحكومة وشاشات الإعلام والجامعات والمحاكم ثم مؤسسة الشرطة والجيش وباقي مؤسسات الحكومية.
- إقامة المصليات وقاعة الصلاة بثكنات العسكرية ومراكز الشرطة وتدريب رجال الامن.
- إلغاء دروس الأمن القومي في المرحلة الثانوية.
- محاصرة بيع الخمور عبر قانون 6487، الذي يحظر بيع الكحول بداية من الساعة العاشرة ليلا، ويجبر شركات الكحول بتركيا على وضع تحذيرات صحية على قنينات الخمور، كما يمنع هذا القانون رعاية هذه الشركات للأحداث رياضية، وغيرها من التفاصيل التي أدت إلى محاصرة بيع الخمور وانتشار استهلاكه بتركيا.
- إنشاء أكثر من سبعين فرعا من مدرسة امام خطيب الإسلامية المشهورة.
- تحويل إجبارية التربية الدينية من سن التاسعة إلى سن السادسة.  
وغيرها من الإجراءات والتدابير التي اتخذتها حكومة العدالة والتنمية والتي تمنكت بها من تغير النخب الفاعلة في المجتمع التركي، كما يقال "الدولة تتغير مع تغير نخبتها"، حيث تكمن أردوغان من التمكين لنخبة جديدة قوية مثقفة منفتحة لكنها متصالحة مع هويتها الإسلامية.
والناظر في مسيرة قادة العدالة والتنمية يظهر له بوضوح أن مشروع الهوية الإسلامية كان دائما حاضرا في فكر وتصورات ورؤى قادة العدالة والتنمية منذ بدايتهم السياسية الأولى عبر مختلف الأحزاب الإسلامية التركية التي عملوا بها، والتأمل في الرؤية الاستراتجية للحزب العدالة والتنمية منذ تأسييه، يجدها الهوية الإسلامية حاضرة بقوة.
 فرمزية التواريخ التي أطرت الاستراتجية الكبرى لتركيا ومستوياتها الثلاث 2023-2053-2071 ماهي إلا دليل قاطع على استحضار الهوية والتاريخ والحضارة العثمانية الإسلامية في الفكر السياسي لحزب العدالة والتنمية، ف2053 ذكرى اتمام ستمئة عام على فتح القسطنطينية "اسطنبول"، و2071 الذكرى الألف لفتح الاتراك للاناضول بعد معركة "ملاذكرد".
و2023 إتمام مئة عام على تأسيس الجمهورية التركيةالحديثة جمهورية بدأت علمانية متطرفة وأراد أردوغان وحزبه أن تكون جمهورية ديمقراطية متصالحة مع هويتها الإسلامية وتاريخها وثقافتها العثمانية في ذكرى المئوية للجمهورية.
فهل فتصالح الأتراك مع هويتهم الإسلامية هو ما جعلهم هدف كل عدو حاسد، وتخطيط ومكر كل طامع يخشى رجوع تركيا إلى عهد "الدولة الفاعلة والمؤثر إقليما ودوليا"؟

الاثنين، 16 أكتوبر 2017

أخلاق النبي (وإنك لعلى خلق عظيم)

أخلاق النبي (وإنك لعلى خلق عظيم): pأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾.. ذلكم قول الله سبحانه وتعالى. 'ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من الله، في ميزان الله، لعبدالله، يقول له فيها: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾[1] ومدلول الخلق العظيم، هو ما هو عند الله، مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين. ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد صلى الله عليه وسلم تبرز من نواحٍ شتى:.../p

الأربعاء، 11 أكتوبر 2017

الدروس المستفادة من الظاهرة التعليمية الفنلندية

الدروس المستفادة من الظاهرة التعليمية الفنلندية: الدروس المستفادة من الظاهرة التعليمية الفنلندية  مدخل: ماذا يمكن أن يستفيد العالَم من التجرِبة التعليمية الفنلندية؟ هذا هو السؤال الرئيسي الذي يُناقِ

الأربعاء، 4 أكتوبر 2017






تركيا الجديدة..نحو التصالح مع الهوية الإسلامية 
الجزء الأول 
بقلم: مولاي علي الأمغاري


قال سونر جاغابتاي مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن في مقاله "من أتاتورك إلى أردوغان إعادة تشكيل تاريخ تركيا" :(فكما صاغ أتاتورك تركيا وفق رؤيته العلمانية والغربية الصارمة بسبب مقدرته على ذلك، فسوف يعيد أردوغان تشكيل تركيا لكي توافق رؤيته المتمثلة بالمحافظة الاجتماعية الصارمة والهوية الإسلامية).
 وفي تقرير إخباري لقناة ألمانية: "من خلال النظام الرئاسي المنشود لا يود أردوغان تغيير النظام السياسي في تركيا فقط، بل أيضا إحياء التقاليد الإسلامية بشكل يظهر فيه كلاعب معاكس لمصطفى أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية".
موضوع الهوية التركية من صميم مشروع أردوغان السياسي الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي، ومن مقربي رجب طيب أردوغان من قال أنه  بدأ مع بكائه مع ووالده على إعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس "شهيد الأذان".
من أدلة أن  قضية الهوية التركية القديمة الجديدة -"الهوية الإسلامية"- هي من صميم مشروع أردوغان، كلمات من خطابه الشهير بعد توليه مقاليد بلدية اسطنبول جاء فيها:( لا يمكن أبدا أن تكون علمانيا ومسلما في ان واحد، إنهم دائما يحذرون ويقولن إن العلمانية في خطر، أنا أقول : "نعم إنها في خطر، إذا أردت الأمة معاداة العلمانية فلن يستطيع أحد منعها، إن إمة الإسلام تنتظر بزوغ الأمة التركية الإسلامية..وذلك سيتحقق، إن التمرد ضد العلمانية سيبدأ").
البداية الحقيقية لهذا التمرد الناعم على العلمانية بدأ مع تأسيس أردوغان ورفاقه حزب العدالة والتنمية في 14 اب/أغسطس، بعد رفضهم الانضمام لحزب السعادة الحزب الجديد لأربكان، حزب جديد مع تطوير الاستراتيجية وتغير التكتيك الذي سلكه الأب الروحي لأردوغان ورفاقه "نجم الدين أربكان" في أثناء قيادته لحزب الرفاه ثم الفضيلة ورئاسته للحكومة التركية، وهذا التطوير والتغير كان  إحدى إيجابيات المدة التي قضاها أردوغان في السجن بعد إلقائه لشعر "ضياء غوك ألب" المعروف.
جديد أردوغان وحزبه في هذا التمرد، هو الابتعاد عن منهج التصادم من أجل التغير والإصلاح، فالاستراتيجية المطورة والتكتيك الجديد غايته تفادي المواجهة المباشرة مع المشروع الكمالي، والحرص على التهدئة والعمل بتدرج، وتنظيم الأولويات بين مهم عاجل ومهم غير عاجل.
واليوم بعد فشل المحاولة الانقلابية2016 ونجاح حزبه في الاستفتاء على التعديلات الدستورية 2017، أصبح موضوع استقلال تركيا عن الوصاية الغربية واسترجاع الهوية التركية الإسلامية، هو الهدف التي يعمل عليه أردوغان وحزبه بوضوح تام، وأصبحت قضية الهوية أم القضايا، الحاضرة دائما في كل خطابات أردوغان الأخيرة.
في خطابه بمناسبة الانتهاء من أعمال الترميم بجامع "يلديز حميدية" بإسطنبول ، قال الرئيس التركي "إننا عازمون على بناء أجيال تعرف دينها وثقافتها وتاريخها ، وتكون أملاً للأمة الإسلامية ولجميع المظلومين...إن مهمة تنشئة الأجيال القادمة لا تقع على عاتق الحكومة فقط، وإنما هي مهمة مشتركة تتوحد فيها أيضا جهود الآباء والأمهات... الشعب التركي يتمتع بأصل طيب وروح طيبة، وهو ما يعني أن استكمال النواقص في تربية الأجيال المقبلة لن يستغرق وقتاً طويلاً".
كما دعا الرئيس التركي إلى تفعيل دور المساجد في عموم تركيا خلال الفترة القادمة،وجعلها مفعمة بالنشاط بشكل دائم وليس فقط في أوقات الصلوات الخمس".
لقد استوعب أردوغان ورفاقه دروس الماضي، وأحسنوا قراءة نتائج التضحيات التي قدمها الزعماء الأتراك قبلهم، بداية من شجاعة وجرأة مندريس إلى صمود وثبات أربكان، فسلك وحزبه مسلك التدرج والحكمة وعدم الاستعجال في التعامل مع قضية تصالح تركيا مع هويتها الإسلامية، فكانت قضية الهوية عند حزب العدالة والتنمية  قضية مهمة لكن غير عاجلة.
نعم قضية مهمة لكن غير عاجلة، لان وقته وحده عند كثير من المفكرين كان كفيل بإفشال مشروع سلخ الأتراك عن هويتهم الأصلية.
قال المفكر الأمريكي هنتنغتون: "ترك أتاتورك تركيا دولة علمانية بقومية التركية على النمط الغربي المسيحي، بعد سلخها من هويتها الشرقية الإسلامية ليصطنِع لها هوية غربية غير إسلامية، دولة ممزقة بين هويتها الأصلية وهوية الواقع الجديد الذي سعى له أتاتورك وأتباعه ممن حكم تركيا بعده، مثل هذه المحاولة سيُكتب لها الفشل في أي مكان في العالم، وليس في تركيا فقط". 

يتبع..

http://blogs.aljazeera.net/moulayalielmghari